ثقافة البناء وثقافة المستورد!
فارق كبير بين ثقافة بناء اقتصاد وطني، وبين ثقافة المجتمع الاستهلاكي. وفي هذا الصدد نعرض لمسألتين.
الأولى هي ما جاء مؤخراً في تصريحات السيد وزير الزراعة الاتحادية د. عبد الحليم المتعافي، حيث قال: السودان استورد في العام الماضي أغذية قيمتها مليار وستمائة مليون دولار. هكذا بالتمام والكمال! فكيف يحدث انفاق هذا المبلغ الدولاري في استيراد مواد غذائية كما نشاهد عياناً بياناً في الأسواق اكتظاظ المحال التجارية والبقالات الفاخرة، ما لا حصر له ولا عد من (غذائيات) منها: الأجبان الهولندية والمعلبات والعصائر وزيوت الطعام ومختلف أنواع الفواكه والحلويات والبسكويت والشيكولاتة والمكرونة والدجاج والبيض ولبن البدرة، ومأكولات أخرى لا أعرفها.. إلى آخر القائمة الطويلة.
كيف يحدث كل هذا وعلى حساب الإنتاج الزراعي المحلي- بشقيه النباتي والحيواني - وعلى حساب المنتجات الصناعية السودانية ومنها ما لفظ أنفاسه حيال موجة المستورد المتصاعدة بلا توقُّف ولا هُدنة. كيف يحدث كل هذا وهناك خطة اقتصادية تهدف إلى التوسُّع الزراعي بنهضة زراعية شاملة نباتية وحيوانية؟!
كما تهدف الخطة إلى التوسُّع في تصنيع المواد الزراعية بشقيها النباتي والحيواني.
ولماذا كانت هذه الخطة؟ أليس من أجل بناء اقتصاد وطني وتلبية احتياجات أهل السودان ومكافحة الفقر والبطالة وتصدير الفائض من المنتجات وزيادة عائدات السودان من العملات الحرة، لا تبديدها في المستورد؟! ويحق لنا أن نطرح هذا السؤال: من المستفيد من هذا الكم الهائل من المواد الغذائية، ومعظم هذه المواد «ترفيه لا تمثِّل ضرورة من ضرورات الاستهلاك الشعبي وفوق ذلك هناك كثير من مثيلاتها التي تُنتج محلياً؟.
أما المسألة الثانية فهي: استيراد هذا الكم المذهل من الملابس الجاهزة والأحذية فهي تغمر كل ركن من أركان العاصمة القومية.
وأيضاً كيف يحدث كل هذا وخطة الدولة الاقتصادية تهدف إلى التوسُّع في زراعة القطن وبالتالي صناعة الغزل والنسيج، وكذلك التوسُّع في المدابغ وبالتالي صناعة الأحذية!
وفي السودان تُخرّج الكليات سنوياً أعداداً كبيرة من الشباب المؤهل في هذه المجالات وأمامكم- على سبيل المثال - جامعة السودان للعلوم والتكنولوجا.
فما مصير هذه الطاقات والخبرات المسلحة بالعلم إذا لم يتم استثمارها في هذه الصناعات، وما فائدة ما تلقوه من علوم تكنولوجية خاصة أن المواد الخام لهذه الصناعات لا تستورد مادتها الخام من الخارج بعملات السودان الحرة الشحيحة، وإنما من إنتاجه المحلي. قطنه وجلود مدابغه أساساً. فمن المستفيد من اطلاق العنان لتدفق هذا الكم الهائل من الملابس الجاهزة، ومن الأحذية، وكثير منها مضروب ومغشوش حتى أصبحت هذه الظاهرة حديث مجالس الناس في كل مكان، ويقولون حتى إذا كانت أسعارها أرخص وأزهد وفي متناول ذوي الدخل البسيط، فإن ضررها أبلغ بالاقتصاد الوطني، وبالصناعة المحلية، حيث من شأنها قتل شعار «صنع في السودان» أو الإبقاء عليه كمجرد شعار مخادع لا أكثر ولا أقل.
ولكن أليس على عاتق المجلس الوطني «البرلمان» تقع مسؤولية حماية الاقتصاد الوطني بسياج من القوانين الصارمة، وهو الجهاز الذي يملك حق إصدار التشريعات، وهو الرقيب على الجهاز التنفيذي، واستجواب ومسألة ومحاسبة أي مسؤول في الجهاز التنفيذي تجاه الممارسات الخاطئة صغُرت أم كبُرت؟ ثم أليس في الاستجواب المساءلة والمحاسبة حماية للمصلحة العامة؟
أليست هذه هي الممارسة الديمقراطية الحقيقية لا ديمقراطية الخطب الرنانة، ويسقط ويعيش التي عرفناها عبر تجارب سنوات طويلة ومريرة؟
اليوم نريدها ديمقراطية على رأس أهدافها تنمية مادية وبشرية على حد سواء.
٭ قبل سنوات طوال قال لي وزير مالية أسبق هو الأستاذ إبراهيم الياس : إن شركة أجنبية كانت قد تقدمت بعرض لحكومة السودان للاستثمار في حفرة النحاس بدارفور ولكن لم يتم الاتفاق مع الشركة وكان هذا العرض يشمل قيام الشركة بمد خط سكة حديد من حفرة النحاس إلى محطة السكة الحديد بنيالا وذلك بالمجان دون أن يدفع السودان قرشاً واحداً.
هذا الذي قاله لي الأستاذ إبراهيم الياس سجلته في كُتيب أصدرته بعنوان: «يوميات مع الحياة» واليورانيوم قابع في حفرة النحاس بدارفور ونخبنا السياسية ما تزال تمارس (صراع الديكة) في أمور معظمها لا تهم الشعب في كثير أو قليل.
لا أتمنى لصحيفة سودانية البوار والكساد وتدني أرقام توزيعها إلى حضيض الحضيض فالعاملون بها هم أولانا وبناتنا والله عليم بالحال.
ولكن ما أتمناه أن تبحث الصحف أسباب معاناتها بكل جُرأة وشجاعة، تماماً كما تنتقد غيرها بجرأة وشجاعة.




أضف تعليقك