الشاعر محمد بشير عتيق وخطاب المغبون

يحيى فضل الله

«في رونق الصبح البديع

أهي الطبيعة الكون تحلَّى بمنظرا

الروضة تعني لناظرا

أطيار عاشقة أزاهرا

هي والنسيم في مناظرة

ترسل حقائق جوهرا

هي نزهة بل آية

من صنع البديع

قوم يا حمام

حي الغمام

أسمعني عن تصويرو كيف

هو آية في الجنس اللطيف

وباختصار

هو حسنو صار فوق الجميع».

دخل الشاعر الراحل المقيم إقامة قصائده الغنائية في الذاكرة الإبداعية السودانية، محمد بشير عتيق؛ على مدير الإذاعة السودانية محتجاً على الأجر الذي منحته له الإذاعة مقابل تسجيله ثلاثين حلقة تحدَّث فيها الشاعر الكبير عن ذكرياته، عن قصائده، عن مظاهر الحياة الاجتماعية، عن حله وترحاله، عن علاقته بالسكة الحديد، عن أنداده من الشعراء، عن مفهومه للقصيدة والغناء. حاول مدير الإذاعة أن يمتص احتجاج وغضب الشاعر؛ فقال له «يا أستاذ عتيق، أنت خالد مثل النيل، أنت ما بتتقيم بالقروش، أنا أحكي ليك حكاية، بتعرف طبعاً الممثل المصري الكبير يوسف وهبة؟».

«بعرفو، مالو؟».

«تعرف يا أستاذنا، الفنان الكبير يوسف وهبة ده كان أبوهو (بيك) كبير، أها أبوهو ده لما مات الناس المشو في جنازتو كانوا قليلين جداً، لكن تعال شوف لما مات الفنان العظيم يوسف وهبة، كانت جنازتو عظيمة، ناس ما ليها حد شيعتو، ملايين من البشر مشوا في جنازتو، القاهرة كلها بكت على هذا الفنان العظيم، أهو دي يا أستاذنا عظمة الفن، الفن الما بتقيم بي قروش».

رد الشاعر وببرود يشع بالسخرية «كدي أنا أسألك، يوسف وهبة الفنان العظيم ده رفع رأسو و شاف الناس الماشين في جنازتو ديل كتار ولا شوية؟».

«كوكب منزه في علوك

سحرك غريب

شخصك بعيد

أو كان قريب

أنوارو آخذة بدون سلوك

يبرق سناك

في غيهب الليل الحلوك

أظرف شمايلك زاملوك

وهم أكملوك

أدبك هبة

وفيك موهبة

شكل الظبا 

وطبع الملوك». 

الشاعر محمد بشير عتيق كان ميلاده بحي (أب روف) بأم درمان في العام 1909م، كان والده معلماً للغة العربية والقرآن الكريم، تخرج من المعهد العلمي بأم درمان، التحق بالمدرسة الصناعية بعطبرة وتخرج فيها (برَّاداً) في العام 1930م، عمل بالسكة الحديد إلى أن تقاعد في العام 1962م. رحل عتيق عن هذه الدنيا في العام1992م.

لا يخفى على الدارس لإنتاج شعراء ما يسمى بفترة (الحقيبة) ذلك التأثر الواضح باللغة العربية الفصحي وشعرائها، بل إن ثقافة هؤلاء الشعراء تأخذ بجانب عظيم من الثقافة العربية بمختلف تجلياتها، يتضح ذلك من استخدام رموز هذه الثقافة في نسيج قصائدهم، إضافة إلى أن (الخلوة) بوصفها مكاناً لتلقي علوم اللغة العربية من خلال دراسة القرآن وحفظه، ويتضح ذلك جلياً في أشعار الشاعر الكبير (ود الرضي). المستمع أو القارئ لأشعار محمد بشير عتيق يلاحظ هذه التأثيرات التي تأخذ أهميتها في الرد على ذلك الرأي الهش الذي يصف لغتنا العامية بالركاكة وأنها لغة رثة لا تستطيع أن تعبر عن المضامين الكبيرة، وبمرجعية كتاب (أيام صفانا) وهو الديوان الشعري لمحمد بشير عتيق الذي حققه وقدم له الكاتب الراحل المقيم الأستاذ علي المك؛ إن مجلس والد الشاعر عتيق أتاح له الاستماع إلى الشاعر محمد سعيد العباسي، كما وفرت له (الدويم) الاستماع إلى الدوباي، و كان شعر البرعي، وابن الفارض، والمجموعة النبهانية، وجواهر الأدب، والأغاني للأصفهاني؛ أحب المؤلفات لديه.

«أرجوك يا نسيم روح ليهو

باللفظ الجميل آتيهو

بيِّن حالي واستفتيهو

لو يصحا ويفيق من تيهو

يشفي جراحي

وألقى صراحي

ويكون راحي

في رؤية خديدو النادي

وقوامو الرشيق متهادي».

 

تتضح ثقافة الشاعر محمد بشير عتيق حين يتحدث عن أغنيات الشاعر (أبو صلاح)، يقول «تمتاز بالأوصاف الجمالية و المعاني الحسية والغزل الرقيق والعاطفة المشبوبة وتمتاز أيضاً بالبديع ولزوم ما لا يلزم والجناس، و قد استهواني ذلك أيضاً». لاحظ أنه ذكر البديع ولزوم ما لا يلزم والجناس. يستخدم الشاعر عتيق الكثير من الإشارات والأسماء التي تنتمي للثقافة العربية كمرجعية مهمة تربط بينه وبين المتلقي لشعره، وأختار بعض ما فعل في ذلك كشواهد:

«ما الفي تهامة وشام

مرعاه نال بشام

ده البينا لو غشام

والبين شلوخ ورشام

يسبي الوليد وهشام».

يقصد هنا بالوليد وهشام أبناء عبد الملك بن مروان.

«في المكارم نافسنا (معنَ)

فقنا (حاتم) حساً ومعنى

في التغزل كم صغنا معنى

لي جزيل الألفاظ جمعنا».

يقصد بـ(معنَ)، معن بن زائد، وبـ(حاتم) حاتم الطائي.

«هواك حاكمني بالتأبيد

ولا زال فكري ليك ينقاد

وطوعاً قلبي ليك رايد

ولو في شعري فقت (لبيد)

محال أوصف سنا الحسن

البيصبح كل يوم زائد».

واضحة هنا الإشارة إلى الشاعر العربي لبيد بن ربيعة.

«لو اتمايل أو سفر واتبختر

إيه بثينة وعزة

وإيه عبيلة عنتر

ها هو حسنو أمامي».

في أمسية من تنظيم الشاعر الراحل المقيم الصديق عمر الطيب الدوش، وفي منزل شقيقه ميرغني بـ(أمبدة السبيل)، حظيت بلقاء حميم وأليف مع الشاعر عتيق، وأذكر أن الصحفي الرياضي الراحل، صاحب عمود(إبر النحل) وديع خوجلي، وأيضاً الأخ محمود سليمان كشة الذي خطفه الموت مبكراً، كنا وقتها نحرض ذاكرة هذا الشاعر المتميز، عتيق يمتلك ذاكرة متقدة، كنا نحرضه على الحكي المختلط بالمقارنات، حكى لنا عتيق «كنا دائماً نقعد في دكان بأم درمان، ومعنا سرور وكرومة، يوم.. عرفنا أنه سيكون هناك بيت لعبة في توتي، بنات توتي سمحات، وكان ما في كهرباء في توتي، ونحنا طبعاً لازم نمتع نظرنا، عشان كده تعرف فكرنا نشتري رتينة، فعلاً، دفعنا كلنا تمن الرتينة ولمن جات مواعيد الحفلة، ولعنا الرتينة وشلناها معانا وقطعنا بالمركب، وصلنا بيت اللعبة، وبعد ما انتهى الغناء خلينا الرتينة هناك ورجعنا، شوف.. نحنا كنا بندفع من جيوبنا، الليلة تعال شوف الحاصل».

سأل عمر الدوش عتيق عن البنات، مصدر إلهام عتيق الأساسي، ابتسم عتيق بنشوة معلنة، ولخَّص الأمر قائلاً «يا أخي بنات الزمن ده تشوف الواحدة من بعيد ما تعرفها جاية عليك ولا ماشة لي غادي».

«يشغل قلبي حبك

على مر الزمان

سلطانو استقر

وبي جورو استمر

وكيف ألقى الضمان

يا ما أنت ظالم

وأنا طائع أوامرك

ولي شخصك مسالم

يا حبيبي الأمان

واسمح لي كمان

أقبل يديك

ومن نور وجنتيك

نور مقلتي

فيك صور المحاسن

ظهرت لي عيان

موسيقى حديثك

مع سحر البيان

أنا كيف ما أخافك

ومما طرفي شافك

ما حبيت خلافك

حبك منيتي

فرضي وسنتي

ناري وجنتي

ومن يوم نشأتي

تقديسك شعاري

وحبك نشوتي

يا سامي العروض

برسل ليك أغاني

من أرقى المعاني

عنوان خبرتي

إبداع فكرتي

تخليد ذكرتي».

تحركت قصائد الشاعر محمد بشير عتيق في مناطق غير الغزل، فاحتفت بالمعالم السودانية المميزة، كسواكن وجبل مرة، وبقضايا السودان الكبرى، وعبرت عن قضايا العمال لا سيما أن الشاعر عتيق كان يعمل في السكة الحديد برَّاداً. ويقول في ذلك، بمرجعية كتاب (أيام صفانا)، يقول «حين كنا نسافر من وإلى أم درمان نستقل الباخرة، وكنت أراقب العمال على الماكينات بشغف شديد وأسأل عن أجزاء الماكينة وكيف يتم تركيبها، وعلمت أن محور هذا العمل هو البرَّاد، وعليه فقد عقدت العزم على أن أتعلم تلك الحرفة». وها هي قصيدة للشاعر عتيق كتبت في العام 1948م، القصيدة موسومة بـ(مظلمة) وقد رفعت هذه المظلمة إلى مدير السكة الحديد بعد إضراب هيئة شؤون العمال من أجل تحسين الخدمة و المعيشة:

«يا صاحب المعالي بعد شكاوي عديدة

ترفع هيئة العمال ظلومة شديدة

نحن بنفرتق البابور حديدة حديدة

ونخلق فيهو روح من كل فكرة جديدة».

 

في أواخر أيامه؛ كان الشاعر محمد بشير عتيق قد صادق غبنه الخاص، حين صادقه الفقر، بينما أثرى عدد كبير من المغنين بفضل ترديد قصائده، وقد وثق الشاعر هذا الغبن عبر قصيدة طويلة تخاطب وزير الثقافة والإعلام، وتعري ضياع حقوق الشاعر، وثراء أولئك المغنين. ومن تجليات غبن الشاعر أنه ذات ظهيرة قائظة خرجت ومعي الصديق والزميل عبد اللطيف عبد الغني، المعروف بوردي الصغير، من قصر الشباب والأطفال، كان وردي الصغير يحاول دائماً أن يتشبه بوردي الكبير، حتى إنه اشترى عربة مرسيدس حمراء. خرجنا من قصر الشباب متجهين إلى الإذاعة بهذه العربة المرسيدس الحمراء، و حين تجاوزنا مبنى البرلمان لمحت الشاعر عتيق يقف هناك عله يحظى بوسيلة مواصلات، أذكر أنه كان يرتدي قميصاً أبيض و بنطالاً أسود، طلبت من وردي الصغير الرجوع إليه وأن نوصله حتى (أب روف) حيث يسكن، ونعود بعدها إلى الإذاعة، رجع وردي الصغير بعربته إلى الخلف حتى وقفت بجانب الشاعر عتيق، وحين هم عتيق بالركوب معنا، لاحظ أو تعرف على وردي الصغير، فما كان منه إلا أن تراجع، وبحركة حادة، وصرخ في وجه وردي الصغير «أركب معاك أنت منو؟ أنت ما عندك أغنية واحدة حقتك، وعندك مرسيدس، روح». تلونت الدهشة في وجه وردي الصغير، وإمعاناً مني في إغاظته نزلت أنا من العربة ورافقت شاعرنا الكبير في وقفته تلك، ودخلت معه في أنس وثرثرة تنضح بذلك الغبن، وقد حكى لي منه هوائل، وكان أن حرضت إمكانياتي في التعامل مع فكرة (الأتوستوب) كي يصل الشاعر الكبير إلى بيته.

«الرياض مبتهجة داخل أقحوانا

والزهور نديانة تستقبل هوانا

زاهية يانعة في توب أرجوانا

والنهر لينا اقترب

والطيور تسجع طرب

عاملة موسيقى قرب

أنحنا صار مجلسنا

عامر في طرب

في غبطة في نشوة وحبور».

الشاعر الفذ محمد بشير عتيق له محاولات متميزة في سودنة بعض أشعار العرب، تداخلت شاعرية عتيق مع عمر الخيام المعربة رباعياته من الفارسية، ومع أبي نواس، ومع عباس بن الأحنف، من خلال سودنة شفافة وعميقة لبعض قصائد هؤلاء الشعراء. وهاهو نموذج لهذه السودنة:

«في صدرها كوكبا در

كأنهما لم يلمسا من كف مستلم

صانتهما بحصون من غلائلها

فالناس في الحل والركنان في الحرم».

هذان البيتان للشاعر عباس بن الأحنف، سودنهما الشاعر عتيق كما يلي:

«فاكهتين ثمر على صدرها المرنوعة

من جلباب عفاف و قلادة فاخر نوعا

في حل نحنا والأنظار تجاها قنوعة

كونها في حرم و عن اللمس ممنوعة».

ترى هل أنا بحاجة إلى دليل أكثر من ذلك على قدرة العامية السودانية على تحمل عبء التعبير؟

«و كل ما اتأملت حسنك يا رشيق

ألقى إيه تضاهي إيه».

أضف إلى: FaceBook Add to Technorati Add to your del.icio.us Digg this story Add to Technorati

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (1 مرسل):

salah ahmed في 2011/06/12 - 19:56
avatar
اذا قرأت شعره تغرف وصفا عن الجنة واذا عرفت شخصه فقد عرفت واحدا من اطيب البشر
مقبول مرفوض
0
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

أضف تعليقك comment

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
قيم هذا المقال
0